براند الطلسم المسرحي
بقلم محمد جمعة
مدير إدارة الفنون جامعة أسيوط
في هذه الآونة من الحاضر المرتبك الذي يموج بالكثير من التقاليع المقلدة والبدع المنفرة اعتاد الكثير من مخرجي المسرح الجدد الدخول بالمتلقي في نفق مظلم من خلال تقديم وجبة فنية عالية التشفير والترميز تتشابك مفرداتها (الإضاءة والديكور وخلافه) بطريقة القص واللصق الذي يزيد من حالة الضبابية والتشتيت فما يكاد المشهد المسرحي المقدم يطرح سؤالاً في ذهن المتلقي ألا ويجد نفسه أمام سؤالاً أخر أكثر استفهاما وأعمق حيرة وبهذا يجد المتلقي نفسه أمام فجوة استفهامية عميقة الحيرة شديدة التعجب.
وقد يري البعض أنه منهج مسرحي تقني حديث يتمرد على المسرح التقليدي في أسلوب الإخراج وتقديم العروض لجمهور لديه من الذائقة الفنية ما يجعله مستوعباً هذه النوعية من العروض المسرحية الجديدة.
الغريب في هذه العروض إنك لا تجد مضمون ثابت أو قضية يرتكز عليها العرض وغالباً ما يتم تشويه النص المسرحي وتجريفه من محتواه وفكرته الأساسية ولا يمكن أن تحظى كمتلقي بفكرة أو أطروحة فنية تتنامى فصولها وجوانبها مع المناظر أو المشاهد المتلاحقة لكي تجذبك من عقلك ووجدانك لتبحر وتنجذب إلى الأحداث والتفاصيل الفنية التي تم حبكها بحرص ووعي شديد من خلال مناظر مسرحية تحتوي على مفردات متناغمة ومنصهرة فنياً ولا يمكن أن يكون صناع هذه النوعية قد بذلوا جهداً بقيادة مخرج له رؤية جيدة لكي تصل الي المتلقي بأبسط أسلوب وبأروع وأجمل حيلة فنية ممكنة.
هذه العروض تندرج تحت منهج الطلسم المسرحي حيث لا يوجد نص مسرحي وهو أساس أي عرض أو عملية مسرحية مهما تعددت المناهج والمدارس والأساليب والمؤكد أن عروض الطلسم تعتمد على العبث والتلاعب بالمفردات المسرحية كالإضاءة والديكور والإكسسوار وحركة الممثلين وأجسادهم فتجد تشكيلات جسدية بالممثلين ليس لها معني أو قطعة ديكور مبهمة مجردة تشكيليا أو سريالية التكوين غير مفهومة تدخل المسرح مع حزمة ضوئية من وسط جمهور العرض أو ملابس أسطورية لا تنتمي لاي طرز أو إكسسوار وماسكات ودمي موظفة تشكيلياً وليس درامياً أو استعراضات للرقص مكشوفة الأجساد تتلوى بشكل هستيري تتحرك داخل بقع للإضاءة لا تعبر عن أي دلالات وهكذا ...
وتتشابك مفردات عرض الطلسم المسرحي بطريقة غير منطقية وغير مبررة ويقفز المنظر تلو المنظر أو المشهد بعد المشهد على سبيل الاستعراض أو الفذلكة للتعالي على فهم المتلقي والوصول بإحساسه الى الشعور بالجهل والتجهيل والحقيقة التي لا تقبل المراجعة أن مخرجي الطلسم هم الذين يجهلون مقومات العملية المسرحية الناجحة ولديهم فقر في الوعي الفني وأساسياته وقواعده عامة والمسرح خاصة.
لا مانع أبدا من العمل بالمنهج والمدرسة المسرحية القائمة على حوار المفردات على المسرح واستخدام التقنيات الحديثة في إنتاج مناظر مسرحية مبهجة باستخدام السينوغرافيا والتكوينات البشرية وغيرها من المفردات ولكن لابد أن ينطلق العمل المسرحي من خلال نص مكتوب وخطة فنية مدروسة بوعي كامل يتمحور حول مضمون له مرجعية لدى وجدان وعقل المتلقي كي لا يفقد التواصل والتفاعل والانفعال ولا يتحمل المتلقي ما لا يطيق من غربة وانفصال .
للأسف أقول إذا كان المسرح في بلدنا يعاني من الكثير من المعضلات فأنني أرى عروض الطلسم سبب رئيسي عن عزوف محبي التلقي المسرحي لأنهم ببساطة لا يجدون أنفسهم فيه لأنه لا يمثلهم.
فيا كل محبي وعشاق المسرح المؤمنين بأهدافه والمعظمين والمقدرين لتأثيره إياكم أن تنخدعوا بهذه الموضة التي انتشرت بين شباب المسرحيين ويتم تنقلها بطريقة البراندات المسرحية التي تأخذ اتجاها سائداً في معظم عروض الطلسم ( التيرند) و المسرح بريء من كل هذه الخزعبلات المفتعلة وهذه الشطحات الفنية المقلدة ولا تفيد معه طلاسم التغريب الغريبة والمفتكسة .
المسرح لا ينفصل عن الجمهور الذي يقدم له وهو الضلع الثالث الهام في العملية المسرحية والذي يجب تكريمه والعمل علي حسن إفادته بتقديم عرض مسرحي رائع الفكرة
جيد المضمون سهل التلقي جميل المشهد يسير التتابع بديع الإخراج
English
العربية
Français
Deutsch